ابن عجيبة

149

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث ، كقوم ، ورهط ، وشجر . يقول الحق جل جلاله : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ، وهو نوح بن لامك . قيل : ولد في زمن آدم عليه السّلام ، قاله النسفي ، وإنما قال : الْمُرْسَلِينَ ، والمراد : نوح فقط ؛ لأن من كذّب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع ، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان ؛ لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل . وقد يراد بالجمع : الواحد ؛ كقولك : فلان يركب الخيل ، ويلبس البرود ، وما له إلا فرس واحد وبرد واحد . إِذْ قالَ لَهُمْ : ظرف للتكذيب ، أي : كذبوه وقت قوله لهم أَخُوهُمْ نُوحٌ ؛ نسبا ، لا دينا ، وقيل : أخوة المجانسة ، كما في آية : بِلِسانِ قَوْمِهِ « 1 » : أَ لا تَتَّقُونَ خالق الأنام ، فتتركوا عبادة الأصنام ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، كان مشهورا بالأمانة عندهم ، كحال نبينا صلى اللّه عليه وسلم في قريش ، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان . وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي : على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح ، مِنْ أَجْرٍ أصلا إِنْ أَجْرِيَ فيما أتولاه إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ؛ لا أطمع في غيره ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، الفاء ؛ لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ من تنزيهه عليه السّلام عن الطمع ، كما أن نظيرتها السابقة ؛ لترتيب ما بعدها على أمانته . والتكرير ؛ للتأكيد ، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة ، فكيف إذا اجتمعا ؟ كأنه قال : إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا اللّه وأطيعون . قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ والحالة أنه قد تبعك الْأَرْذَلُونَ أي : الأرذلون جاها ومالا ، والرذالة : الدناءة والخسة ، وإنما استرذلوهم ؛ لاتضاع نسبهم ، وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل : كانوا من أهل الصناعة الدنيئة ، قيل : كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفّاف - أي : الخراز ، وقيل : النجار . والصناعة لا تزرى بالديانة ، فالغنى غنى القلوب ، والنسب نسب التقوى ، والعز عز العلم بالله لا غير ، ومرادهم بذلك : أنه لا مزية لك في اتباعهم ؛ إذ

--> ( 1 ) الآية 4 من سورة إبراهيم .